جلال الدين السيوطي
38
الأشباه والنظائر في النحو
من مثل القرآن ما يصدق عليه أنه مثل القرآن ، أيّ قدر كان سورة أو أقل منها أو أكثر ، وإذا أراد المتحدّي الجمع بين قوله : بسورة وبين قوله : من مثله فحقّ الكلام أن يقدّم « من مثله » ويؤخّر « بسورة » ، ويقول : فأتوا من مثله بسورة ، حتى يتعلّق الأمر بالإتيان من المثل أوّلا بطريق العموم وكان بحيث لو اكتفى به لكان المقصود حاصلا والكلام مفيدا ، لكن تبرّع ببيان قدر المأتيّ به فقال : بسورة ، فيكون من قبيل التخصيص بعد التعميم في الكلام والتبيين بعد الإبهام في المقام ، وهذا الأسلوب ممّا يعتني به البلغاء ، وأمّا إذا قال : فأتوا بسورة من مثله على أن يكون « من مثله » متعلّقا ب ( فأتوا ) فإنه يكون في الكلام حشو وذلك لأنه لمّا قال : بسورة عرف أنّ المثل هو المأتي منه فذكر من مثله على أن يكون متعلقا ب ( فأتوا ) يكون حشوا ، وكلام اللّه منزّه عن هذا ، فلهذا حكم بأنه وصف للسورة . وتلخيص الكلام أنّ التحدّي بمثل هذه العبارة على أربعة أساليب : الأول : تعيين المأتي به فقط ، الثاني : تعيين المأتي منه فقط ، الثالث : الجمع بينهما على أن يكون المأتي منه مقدّما والمأتيّ به مؤخرا ، الرابع : العكس ، ولا يخفى على من له بصيرة في تنفيذ الكلام أنّ الأساليب الثلاثة الأول مقبولة عند البلغاء ، والأخير مردود ، لأنه يبقى ذكر المأتي منه بعد ذكر المأتي به حشوا ، هذا إذا جعل المأتي منه مفهوم المثل ، وأمّا إذا كان المأتيّ منه مكانا أو شخصا أو شيئا آخر ممّا لا يدلّ عليه التحدي فذكره مفيد قدّم أو أخّر ، ولذلك جوّز العلّامة صاحب ( الكشاف ) أن يكون « مِنْ مِثْلِهِ » متعلّقا ب ( فأتوا ) حيث كان الضمير راجعا إلى عبدنا . والحاصل أنّه إذا جعل المثل المأتي منه مفهوم المثل وأريد الجمع بين المأتي منه والمأتي به فلا بدّ من تقديم المأتي منه على المأتي به ، وإلا يكن الكلام ركيكا ، وإذا كان المأتي منه شيئا آخر فالتقديم والتأخير سواء ، وممّا يؤيّد هذا المعنى ما أفاده المحقّقون في قول القائل عند خروجه من بستان المخاطب : أكلت من بستانك من العنب ، أنه لو قال : أكلت من العنب من بستانك يكون الكلام ركيكا بناء على أنّه لمّا قال : أكلت من العنب علم أنّه أكل من البستان ، فقوله : من بستانك يبقى لغوا وأمّا إذا قال أولا : من بستانك أفاد أنّه أكل من البستان بعد أن لم يكن معلوما ، ولكن يبقى الإبهام في المأكول منه ، فلمّا قال : من العنب رفع الإبهام ، هذا وإن لم يكن مثالا لما نحن فيه لكنّه تنظير إذا تأملت فيه تأنّست بالمطلوب الذي نحن بصدده . لا يقال : فعلى هذا جعله وصفا أيضا لغو ، بناء على أنّ التحدي يدلّ عليه لأنّا